اديب العلاف

48

البيان في علوم القرآن

وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 1 » [ يوسف : 21 ] . وهنا يبدأ يوسف باجتياز مرحلة جديدة من حياته حيث يكتمل نموه . . ويمنحه اللّه جمالا رائعا وحسنا زاهيا . . كما يتكرم اللّه عليه بالنبوة ويعلمه تفسير الرؤيا . . وكذلك باستلامه خزائن مصر . ومن عظمة هذه القصة القرآنية وروعتها . . أنها تحلل تحليلا دقيقا الغرائز البشرية في خيرها وشرها . . كما أنها تظهر لنا الصراع القوي بين العقل والعاطفة وبالتالي بين الحق والباطل . حيث تتحدث هذه الآيات عن ذلك كله كما يلي : وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ « 2 » [ يوسف : 23 - 24 ] . في الآية الأولى نرى بوضوح تام وبأسلوب قرآني بديع . . كيف تظهر الغريزة البشرية مندفعة نحو الشر عند زليخة لأنها متزوجة أولا . . ولأنها تندفع

--> ( 1 ) الذي اشتراه : هو عزيز مصر وحاكمها . أكرمي مثواه : اجعلي لبقائه عندنا وإقامته بيننا مثالا كريما في حسن المعاملة . مكنا ليوسف : أي جعلنا يوسف يتصرف في أرض مصر بحيث تصبح له مكانة سامية . تأويل الأحاديث : تفسير الأحلام والرؤيا أثناء النوم . غالب على أمره : أي إن اللّه يحقق ما يريد وينفذ قضاءه مهما حاول الإنسان دفع ذلك . ( 2 ) راودته : تحايلت عليه وصارت تغريه وصارت تعرض عليه نفسها . التي : أي زليخة امرأة العزيز . هيت لك : هيا اسرع وافعل فأنا لك هيا تعال إليّ . معاذ اللّه : أعوذ باللّه معاذا أي أتحصن به وألتجئ إليه . إنه ربّي : أي إن العزيز وهو زوج زليخة هو سيدي وولي نعمتي وهو الذي رباني . همت به : أقبلت عليه وحاولت الاتصال به . وهم بها : وأقبل عليها وحاول الاتصال بها . برهان ربه : قيل إنه رأى جبريل وقيل إنه رأى يعقوب والده وقيل إنه سمع نداء علويا يحذره من فعل أي شيء . المخلصين : المختارين لطاعتنا بإيمانهم القوي بربهم وبعملهم الدءوب بعبادته .